نحو نقدٍ للترجمة الأدبية

 

حسن سرحان

نجد مناسباً أن نبدأ مقالنا هذا بطرح تساؤلات تخص نقد الترجمة الأدبية سنحاول تقديم إجابات لها مستمدة من دراستنا النظرية ومن تجربتنا البسيطة في ميدان الترجمة الأدبية. ما هو نقد الترجمة الأدبية؟ وفق أيِّ أسس يعمل هذا النقد؟ أي وسائل ومنهجيات نستطيع استخدامها لتفعيل دوره في نمو الترجمة الأدبية وازدهارها؟ ولعل السؤال الأهم يبقى التالي: ما مواصفات ناقد الترجمة الأدبية وما الفرق بينه وبين الناقد الأدبي؟
نقدُ الترجمة الأدبية دراسةٌ منهجية تتداخل فيها فروع عدة من المعرفة تتضمن تقييماً وتفسيراً لمختلف جوانب الأثر المترجَم. ما زالت الأدبيات الأكاديمية التقليدية تربط هذا المجال من النقد ربطاً وثيقاً بالنقد الأدبي وتغض الطرف عن علاقته بنظرية الترجمة. مع ذلك، لا بد من الإقرار بحقيقة ان تبعية نقد الترجمة إلى النقد الأدبي لم تعد من المسلمات منذ ان أصبح علم الترجمة ميدانَ بحثٍ مستقل تماماً ومنذ أن اهتدى الاختصاصيون فيه، الذين هم أنفسهم مترجمون في الغالب، إلى التفكير بمسألة تلاؤم الأصل مع الترجمة مما مهد الطريق أمام نقد الترجمات لأن يصبح مفصلاً أساسياً من مفاصل علم الترجمة مهمته الجوهرية التفكير في استيعاب علاقة النص المترجم بالنص الأصل.

الترجمة والنقد

لا يمكننا أن نختلف، مهما اختلفنا، على حقيقة أن الترجمة، أدبيةً كانت أم غير ذلك، تحتاج، من أجل أن تتطور، إلى النقد. يتساوى في ذلك النشاط الترجمي، بلحاظ كونه مظهراً من مظاهر إبداع العقل ومكوِّناً من مكوِّنات الخلْق الأدبي، مع باقي فروع الأدب والفن التي لا يمكن لها أن تحيى وتنمو بعيداً عن حضور ممارسات نقدية علمية يصعب بدونها فهم سبب جودة أو رداءة عمل فني ما. ليست هذه الممارسات النقدية، وإن كانت تشتمل، في بداياتها، على أحكام ذوقية وتقييمات جمالية انطباعية تستند إلى الذائقة الفردية أكثر من اعتمادها على معايير فنية/تقنية، وليدة اليوم ولا حتى الأمس القريب، ذلك ان تصنيفا بدائيا للترجمات وجد، تحت أشكال مختلفة، منذ القرن الثامن عشر. لن يكون من العدل ولا الإنصاف الزعم بخلو تلك التصنيفات من بعض الآراء النقدية التي تمس، وإن يكن مساً طفيفاً، بعض جوانب نقد الترجمات، إذ ان مجرد التعرض لنص مترجَم، بأي كيفية كانت، تعني، بالضرورة، الدخول إلى ميدان النقد الترجمي. غير أن ما كان يعوز تلك الأحكام النقدية هو عدم التفاتها، من جهة، إلى مسألة أن فعل الترجمة عنصر مركزي في النتاج المترجم وغفلتها، من جهة أخرى، عن حقيقة أن النص المترجم، في المرحلة التي تسبق اكتمال بنائه في اللغة الهدف، كان عرضة لتغييرات جذرية من ناحية اللغة والمحتوى والشكل أيضا.
لا ينبغي أن يحمل كلامنا أعلاه بخصوص انشغال المهتمين بالترجمات بالتصنيف أكثر من اشتغالهم على إيجاد ثوابت علمية لدراسة النص المترجَم، نقول لا ينبغي أن يفهم كلام كهذا على أنه يستهدف التقليل من شأن واجب تصنيف الترجمات وتمييز غثها من سمينها. هذه المهمة، نحن نعتقد بذلك إلى حد بعيد، تدخل في صلب عمل نقد الترجمة بدونها تتحول هذه الأخيرة إلى بيئة صالحة لانتشار الترجمات المتواضعة مما يضر بمتعة المتلقي ناهيك عن الضرر الأكيد، وهو ضرر معتدٌ به بشكل كبير، الذي تلحقه الأعمال الترجمية الضعيفة المستوى بتطور الترجمة نفسها. فضلا عن مهمة التصنيف والفرز، نحن نعتقد، وهذا ما سوف نركز عليه في مقالنا هذا، أن لعلم نقد الترجمة مهمةً أخطر وأجل وأكثر حساسية تتمثل بفتح آفاق أرحب وأكثر اتساعا أمام الترجمة تضمن لهذه الأخيرة قراءةً منصفةً قائمة، أو هكذا ينبغي، على إجراء تحليل نقدي دقيق لغوي، أسلوبي، فني، ثقافي، سوسيو/ثقافي… للترجمة المقترحَة لنص أجنبي، وتحديد الملامح الأساسية للمشروع الذي سبّب ولادتها وللأفق الذي ظهرت فيه ولوضع المترجم ولفهمه لعملية الترجمة.
لذا فإن مهمة نقد الترجمة الأدبية أصعب بكثير مما تبدو عليه لأول وهلة، ذلك لأنها تلزم الناقد، من بين واجبات أخرى، ان يضع الترجمة في سياقها التاريخي وتفرض عليه معرفة جيدة بالكاتب وعصره والاتجاهات الأدبية لزمنه ولحالة اللغة في ذلك الوقت ولأفق انتظار جمهور ذلك الزمان. إذا ما سلَّمنا بهذه الحقائق وقرَّرنا قبولها باعتبارها من بديهيات علم الترجمة الراهن، سيكون لزاماً علينا مغادرة بعض أفكارنا القديمة التي لا ترى الفرق بين نقد الترجمة والنقد الأدبي بمعناه البسيط والسطحي حيث تعتبر نقد الترجمة الأدبية تعبيراً عن حكمِ قيمةٍ ذاتي ونقلاً لانطباعٍ طارئ يحس به الناقد لحظة قراءته للترجمة وبحثاً عن المتعة التي يزودنا بها النص المترجَم، هذا في حال فرض حصول المتعة وتحققها. والحال ان لنقد الترجمة غايات تتجاوز بكثير ما أتينا على ذكره يقف في مقدمتها تحليل النتاج الأدبي وبذل الجهد اللازم للامساك بالمعنى العميق للنص واستيعاب هذا المعنى في اللغة الهدف. زيادةً على ذلك، ينبغي لنقد الترجمة الأدبية أن يهتم بشكل خاص بتقييد حدود حرية المترجم وتحديد بداية حرمة النص الأصلي وتوصيف معنى التكافؤ اللغوي والتأكيد على عدم ثبات معنى النص الأدبي فضلا عن الاهتمام بالمشاكل الثقافية واللغوية التي تنشأ عن عملية نقل نص أدبي من لغة إلى أخرى.
يجب الاعتراف، صراحةً، أن نقدا بهذه الملامح يبتعد عن اعتبار الترجمة نصاً ثانياً يمتلك قيمةً أقل من الأصل، ما زال، في بلداننا العربية على الأقل، في طور التكوين. والسبب الرئيسي في ذلك، بحسب تقديرنا، ركون المؤسسة الأكاديمية العربية، جهلاً منها أو عجزاً أو ربما كسلاً، إلى تطبيق وتطويع مناهج النقد الأدبي العام لتصبح صالحة لدراسة الترجمات الأدبية دون التفكير في محاولة صياغة مناهج نقدية جديدة تكون أكثر توافقا مع طبيعة العمل الترجمي الأدبي وخصوصيته. ومع إقرارنا بحقيقة أن بعض مفردات النقد الأدبي ممكنةُ التطبيق على النص المترجم، إلا أننا نرى وجوب أن تتمتع الترجمة، تماما مثل الأصل، بتلقي وإحاطة مستقلين وقراءة وتحليل وتقييم، ايجابيا كان أم سلبيا، لكنه ضروري للمترجم ولقارئه على حد سواء.
في جامعات الغرب، يعتبر النقد الترجمي اليوم، بما له من قيمة موجِّهة في الممارسة الترجمية، أحد المكونات الأساسية لعلم الترجمة، تتجلى مهمته، لا بتسقّط هفوات المترجم ومواطن ضعف ترجمته من الناحية اللغوية حسب، بل بإصلاح النشاط الترجمي وفتح فضاء جديد للترجمة. يجب الإصرار على هذه الوظيفة البنّاءة للنقد الترجمي الذي لا بد له ان يحتفظ بجوهره الإيجابي وان يبقى بنّاءً ويساعد المترجم على ان يبني مشروعا جيدا للترجمة، وان يتوجه نحو الدراسات القابلة للتطبيق وان يجذب انتباه الناس، خواصهم وعوامهم، حول الترجمة وان يساهم بتطورها. بهذه الطريقة فقط، يخدم نقد الترجمة التراكم الثقافي ويصب في مصلحة تحسين نوعية الترجمة.
الأكيد الذي لا يقبل المزيد من الجدل أن نقد الترجمة يتطلب الكثير من العمل ومعرفة لا تشوبها شائبة بالمفاهيم الأسلوبية للغة المصدر واللغة الهدف، وثقافة واسعة. إن علة كون نقد الترجمة الأدبية صعب يكمن، في جزء أساسي منه، في حقيقة أن هذه الأخيرة تمتلك خصوصة فريدة هي التي تبتعد بها عن أن تكون مجرد محاولة نقل كلمات ومفاهيم مجردة وتجعل منها عملية إنزياح وإمرار لمشاعر ولعواطف يحتويها العمل الأدبي. لذا فإن مراقبة الصرامة بنقل المعنى، وامتلاك القدرة على استقصاء مكامن الجودة والضعف في أسلوب المترجم الأدبي هي أيضاً من ضمن اهتمامات النقد الترجمي وإن لم تكن همه الأساس.
من هنا يمكن القول إنتهاءً أن نقد الترجمة الأدبية ليست مهنة يتأتى لكل ناقد، كيفما كان مجيداً، إتقانها والتمكن منها. إنها، حصراً، مهنة من يمتلك الإلمام بثقافتي لغتي النص أي اللغة المصدر واللغة الهدف ناهيك عن المعرفة الواسعة بنظريات الترجمة وعلم اللسانيات التطبيقية لصلته القوية بالترجمة وعلمها، فضلا عن توافره على صفات الناقد الأدبي المتفق عليها كالحس الفني والذوق الرفيع وعشق الأدب وحب الكتابة الذي لابد أن ينعكس، بصورة ما، في النقد الترجمي.

كاتب عراقي

حسن سرحان

http://www.alquds.co.uk/?p=399626
http://www.alquds.co.uk/?p=399626
Advertisements

Leave a Reply

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s